الصفحة الرئيسية السيرة الذاتية مؤلفات الشيخ اتصل بالشيخ  
    جديد الخطب :     |    خطبة 1 /6 /2012    |    خطبة 13 /7 /2012    جديد الموقع :     |    تعزية بوفاة شيخنا العلامة عبد اللطيف الفرفور رحمه الله تعالى    |    تعزية بوفاة شيخنا العارف بالله المربي محمد سعد الدين المراد الحموي رحمه الله    |    حكم المشاركة في الانتخابات السورية    |    تعزية لعائلات شهداء طلاب العلم من معهد الشيخ المحدث بدر الدين الحسني رحمه الله تعالى    |    إنا لله وإنا إليه راجعون    |    عقيدة الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله    |    تعزية بوفاة الولي الصالح الشيخ محمود المعاني    |    شروط إجابة الدعاء:    |    يقول الشيخ أبو سالم العياشي المغربي من رجال القرن السابع عشر الميلادي:    جديد الفتاوي :     |    الرسالة: أسلام عليكم أرجوسيدي أن تجيبون عن هذا السوال هل يجوز الذكر بالسرياني وأذا كان لا يجوز مع العلم أنه منتشر عند أهل الطرق الصوفية أقبل نعلك أجب سيدي    |    السلام عليكم الشيخ الكريم، هل يجوز طاعة لأحد المخلوقين في ترك المندوبات؟    |    السلام عليكم ورحمة الله / فضيلة الشيخ :أرجو بيان حكم الشرع في زكاة المال المدفوع لهيئة الحج في بلدنا ومقداره:(3ملايين ونصف),حيث أجريت القرعة هذا العام لثلاث سنوات :(2014-2015-2016).فهل يزكي الحاج الذي خرج إسمه ضمن القرعة لهذه السنين ,هذا المال المدفوع إذا حال عليه الحول ,أم لا ؟وجزاكم الله خيراً..    |     القنوط في صلاة الصبح خاصة سنة أم بدعة    |    الرسالة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ما صحة القول الاتي: سئل شيخ الإسلام ابن تيمية 21/38: هل البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأبو داود الطيالسي والدرامي والبزار والدار قطني والبيهقي وابن خزيمة وأبو يعلى الموصلي ، هل كان هؤلاء مجتهدين لم يقلدوا أحدا من الأئمة أم كانوا مقلدين ،    |    المسألة 01 : أنا مؤمــن في التأمينات الإجتماعية مع شركة مقاولة ،لكني لا آخذ راتبا رغم أن شركة المقاولة متعاقدة مع الدولة على إعطاء المسجل (العامل) راتبا شهريـــــــــا ، و لكني أستفيد من الدواء و مسجل في صندوق التقاعد . فهل هذا جــــائز ؟ المسألة 02 : أنا مسجل في عقود ما قبل التشغيل لدى شركة مقا    |    تشبيه صورة شخص مسلم بصورة شخص كافر ومن ثم مناداته باسم ذلك الكافر على الدوام ، ما حكم ذلك؟    |    ماهو تفسير الخوارق التي تظهر على يد من يشتهرون بين الناس بأنهم من نسل المصطفى - عليه الصلام والسلام - ويسمى الواحد منهم ب(السيد) ، حيث شفي كثير من المرضى على أيديهم ، وبعضهم يحتفظ بآثار أجداده (السياد) كنعل جده مثلا ، حيث يضرب المريض بالنعل فيشفى ، ويتوارث الأبناء آثار أجدادهم لاستخدامها في معالجة ا    |    هل يسن الإتيان بدعاء الافتتاح (سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك) سواء أكان المصلي منفردا أو إماما أو مأموما، في الفرض والنفل، والفائتة والحاضرة من الصلوات؟ ومامعنى هذه الصيغة التي اختارها الحنفية والحنابلة؟ ولماذا سميت (دعاءا) رغم خلوها من الدعاء كما يظهر لي؟    جديد الدروس الصوتية :     |    المتن    |    درس 17 /4 /2009   
أبواب الموقع
القائمة البريدية
» الصفحة الرئيسية » كلام الشيخين ابن تيمية وابن القيم
2008-04-04 16:01:32
من كتاب طريق الهجرتين وباب السعادتين رقم (7)

والله  سبحانه لم يجعل لرجل من قلبين في جوفه، فبقدر ما يدخل القلب من هم وإرادة وحب يخرج منه هم وإرادة وحب يقابله، فهو إناء واحد والأشربة متعددة فأي شراب ملأه لم يبق فيه موضع لغيره وإنما يمتلىء الإناء بأعلى الأشربة إذا صادفه خاليا فأما إذا صادفه ممتلئا من غيره لم يساكنه حتى يخرج ما فيه ثم يسكن موضعه كما قال بعضهم:

 أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى           فصادف قلبا خاليا فتمكنا

 ففقر صاحب هذه الدرجة تفريغه إناءه من كل شراب غير شراب المحبة والمعرفة؛ لأن كل شراب مسكر ولا بد وما أسكر كثيره فقليله حرام وأين سكر الهوى والدنيا من سكر الخمر، وكيف يوضع شراب التسنيم الذي هو أعلى أشربة المحبين في إناء ملآن بخمر الدنيا والهوى ولا يفيق من سكره ولا يستفيق، ولو فارق هذا السكر القلب لطار بأجنحة الشوق إلى الله والدار الآخرة، ولكن رضي المسكين بالدون وباع حظه من قرب الله ومعرفته وكرامته بأخس الثمن صفقة خاسر مغبون فسيعلم أي حظ أضاع إذا فاز المحبون وخسر المبطلون.

 

الدرجة الثانية الرجوع إلى فضل الله سبحانه ومطالعة سبقه الأسباب والوسائط فبفضل الله ورحمته وجدت منه الأقوال الشريفة والمقامات العلية وبفضله ورحمته وصلوا إلى رضاه ورحمته وقربه وكرامته وموالاته، وكان سبحانه هو الأول في ذلك كله كما أنه الأول في كل شيء وكان هو الآخر في ذلك كما هو الآخر في كل شيء فمن عبده باسمه الأول والآخر حصلت له حقيقة هذا الفقر فإن انضاف إلى ذلك عبوديته باسمه الظاهر والباطن فهذا هو العارف الجامع لمتفرقات التعبد ظاهرا وباطنا.

وأما تعبده باسمه الباطن فأمر يضيق نطاق التعبير عن حقيقته ويكل اللسان عن وصفه وتصطلم الإشارة إليه وتجفو العبارة عنه فإنه يستلزم معرفة بريئة من شوائب التعطيل مخلصة من فرث التشبيه منزهة عن رجس الحلول والاتحاد وعبارة مؤدية للمعنى كاشفة عنه وذوقا صحيحا سليما من أذواق أهل الانحراف، فمن رزق هذا فهم معنى اسمه الباطن وصح له التعبد به، وسبحان الله كم زلت في هذا المقام أقدام وضلت فيه أفهام وتكلم فيه الزنديق بلسان الصديق واشتبه فيه إخوان النصارى بالحنفاء المخلصين لنبو الأفهام عنه وعزة تخلص الحق من الباطل فيه والتباس ما في الذهن بما في الخارج إلا على من رزقه الله بصيرة في الحق ونورا يميز به بين الهدى والضلال وفرقانا يفرق به بين الحق والباطل ورزق مع ذلك اطلاعا على أسباب الخطأ وتفرق الطرق ومثار الغلط وكان له بصيرة في الحق والباطل وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

 

وأما القرب المذكور في القرآن والسنة فقرب خاص من عابديه وسائليه وداعيه وهو من ثمرة التعبد باسمه الباطن قال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾ [البقرة: 186]، فهذا قربه من داعيه، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [الأعراف: 56]، فذكر الخبر وهو قريب عن لفظ الرحمة وهي مؤنثة إيذانا بقربه تعالى من المحسنين فكأنه قال: إن الله برحمته قريب من المحسنين، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ››أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد‹‹ ››وأقرب ما يكون الرب من  عبده في جوف الليل‹‹ فهذا قرب خاص غير قرب الإحاطة وقرب البطون.

فكلما كان الحب أعظم كان القرب أكثر، وقد استولى محبة المحبوب على قلب محبه بحيث يفنى بها عن غيرها ويغلب محبوبه على قلبه حتى كأنه يراه ويشاهده فإن لم يكن عنده معرفة صحيحة بالله وما يجب له وما يستحيل عليه وإلا طرق باب الحلول إن لم يلجه وسببه ضعف تمييزه وقوة سلطان المحبة واستيلاء المحبوب على قلبه بحيث يغيب عن ملاحظة ما سواه وفي مثل هذه الحال يقول سبحاني أو ما في الجبة إلا الله ونحو هذا من الشطحات التي نهايتها أن يغفر له ويعذر لسكره وعدم تمييزه في تلك الحال.

 

وعليك بالمطالب العالية والمراتب السامية التي لا تنال إلا بطاعة الله فإن الله سبحانه قضى أن لا ينال ما عنده إلا بطاعته ومن كان لله كما يريد كان الله له فوق ما يريد، فمن أقبل إليه تلقاه من بعيد ومن تصرف بحوله وقوته ألان له الحديد ومن ترك لأجله أعطاه فوق المزيد ومن أراد مراده الديني أراد ما يريد ثم اسمُ بسرك إلى المطلب الأعلى واقصر حبك وتقربك على من سبق فضله وإحسانه إليك كل سبب منك بل هو الذي جاد عليك بالأسباب وهيأ لك وصرف عنك موانعها وأوصلك بها إلى غايتك المحمودة فتوكل عليه وحده وعامله وحده وآثر رضاه وحده واجعل حبه ومرضاته هو كعبة قلبك التي لا تزال طائفا بها مستلما لأركانها واقفا بملتزمها فيا فوزك ويا سعادتك إن اطلع سبحانه على ذلك من قلبك ماذا يفيض عليك من ملابس نعمه وخلع أفضاله اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد سبحانك وبحمدك،

فمن جلى الله سبحانه صدأ بصيرته وكمل فطرته وأوقفه على مبادىء الأمور وغاياتها ومناطها ومصادرها ومواردها أصبح كالمفلس حقا من علومه وأعماله وأحواله وأذواقه يقول: أستغفر الله من علمي ومن عملي أي من انتسابي إليهما وغيبتي بهما عن فضل من ذكرني بهما وابتدأني بإعطائهما من غير تقدم سبب مني يوجب ذلك.

 

الرجوع إلى السبق بمطالعة الفضل يمحص من أدناس مطالعات المقامات فالمقام ما كان راسخا فيه والحال ما كان عارضا لا يدوم فمطالعات المقامة وتشوفه بها وكونه يرى نفسه صاحب مقام قد حققه وكمله فاستحق أن ينسب إليه ويوصف به مثل أن يقال: زاهد صابر خائف راج محب راض فكونه يرى نفسه مستحقا بأن تضاف المقامات إليه وبأن يوصف بها على وجه الاستحقاق لها خروج عن الفقر إلى الغنى وتعد لطور العبودية وجهل بحق الربوبية فالرجوع إلى السبق بمطالعة الفضل يستغرق همة العبد ويمحصه ويطهره من مثل هذه الأدناس فيصير مصفى بنور الله سبحانه عن رذائل هذه الأرجاس.

 

قوله: )والدرجة الثالثة صحة الاضطرار والوقوع في يد التقطع الوحداني والاحتباس في قيد التجريد وهذا فقر الصوفية(

هذه الدرجة فوق الدرجتين السابقتين عند أرباب السلوك وهي الغاية التي شمروا إليها وحاموا حولها، فإن الفقر الأول: فقر عن الأعراض الدنيوية، والفقر الثاني: فقر عن رؤية المقامات والأحوال، وهذا الفقر الثالث: فقر عن ملاحظة الموجود الساتر للعبد عن مشاهدة الوجود فيبقى الوجود الحادث في قبضة الحق سبحانه كالهباء المنثور في الهواء يتقلب بتقليبه إياه ويسير في شاهد العبد كما هو في الخارج فتمحو رؤية التوحيد من العبد شواهد استبداده واستقلاله بأمر من الأمور ولو في النفس واللمحة والطرفة والهمة والخاطر والوسوسة إلا بإرادة المريد الحق سبحانه وتدبيره وتقديره ومشيئته فيبقى العبد كالكرة الملقاة بين صولجانات القضاء والقدر تقلبها كيف شاءت بصحة شهادة قيومية من له الخلق والأمر وتفرده بذلك دون ما سواه وهذا الأمر لا يدرك بمجرد العلم ولا يعرفه إلا من تحقق به أو لاح له منه بارق، وربما ذهل صاحب هذا المشهد عن الشعور بوجوده لغلبة شهود وجود القيوم عليه فهناك يصح من مثل هذا العبد الاضطرار إلى الحي القيوم وشهد في كل ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة فقرا تاما إليه من جهة كونه ربا ومن وجهة كونه إلها معبودا لا غنى له عنه كما لا وجود له بغيره فهذا هو الفقر الأعلى الذي دارت عليه رحى القوم بل هو قطب تلك الرحى.

 

وحكم هذا الفقير المضطر إلى خالقه في كل طرفة عين وكل نفس أنه إن حرك بطاعة أو نعمة شكرها وقال هذا من فضل الله ومنه وجوده فله الحمد وإن حرك بمبادىء معصيته صرخ ولجأ واستغاث وقال أعوذ بك منك يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك يا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك فإن تم تحريكه بالمعصية التجأ التجاء أسير قد أسره عدوه وهو يعلم أنه لا خلاص له من أسره إلا بأن يفكه سيده من الأسر ففكاكه في يد سيده ليس في يده منه شيء البتة ولا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا فهو في أسر العدو ناظر إلى سيده وهو قادر قد اشتدت ضرورته إليه وصار اعتماده كله عليه، قال سهل: إنما يكون الالتجاء على معرفة الابتلاء – يعني: على قدر الابتلاء تكون المعرفة بالمبتلى - ومن عرف قوله : »وأعوذ بك منك« وقام بهذه المعرفة  شهودا وذوقا وأعطاها حقها من العبودية فهو الفقير حقا ومدار الفقر الصحيح على هذه الكلمة فمن فهم سر هذا فهم سر الفقر المحمدي، فهو سبحانه الذي ينجي من قضائه بقضائه وهو الذي يعيذ بنفسه من نفسه وهو الذي يدفع ما منه بما منه فالخلق كله له والأمر كله له والحكم كله له وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وما شاء لم يستطع أن يصرفه إلا مشيئته وما لم يشأ لم يمكن أن يجلبه إلا مشيئته فلا يأتي بالحسنات إلا هو ولا يذهب بالسيئات إلا هو ولا يهدي لأحسن الأعمال والأخلاق إلا هو ولا يصرف سيئها إلا هو ﴿ وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ ﴾ [يونس: 107].

 

التوحيد نوعان: عامي وخاصي، كما أن الصلاة نوعان، والذكر نوعان، وسائر القرب كذلك خاصية وعامية، فالخاصية: ما بذل فيها العامل نصحه وقصده بحيث يوقعها على أحسن الوجوه وأكملها، والعامية: ما لم يكن كذلك.

فالغاية التي لا غاية وراءها ولا نهاية بعدها الفناء في توحيد الإلهية وهو أن يفنى بمحبة ربه عن محبة كل ما سواه وبتألهه عن تأله ما سواه وبالشوق إليه وإلى لقائه عن الشوق إلى ما سواه وبالذل له والفقر إليه من جهة كونه معبوده وإلهه ومحبوبه عن الذل إلى كل ما سواه، وكذلك يفنى بخوفه ورجائه عن خوف ما سواه ورجائه فيرى أنه ليس في الوجود ما يصلح له ذلك إلا الله ثم يتصف بذلك حالا وينصبغ به قلبه صبغة ثم يفنى بذلك عما سواه فهذا هو التوحيد الخاص الذي شمر إليه العارفون والورد الصافي الذي حام حوله المحبون.

 

فمن تجرد عن ماله وحاله وكسبه وعمله ثم تجرد عن شهود تجريده فهو المجرد عندهم حقا، وهذا تجريد القوم الذي عليه يحومون وإياه يقصدون، ونهايته عندهم التجريد بفناء وجوده وبقاؤه بموجوده بحيث يفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل ولا غاية عندهم وراء هذا ولعمر الله إن وراءه تجريدا أكمل منه ونسبته إليه كتفلة في بحر وشعرة في ظهر بعير وهو تجريد الحب والإرادة عن الشوائب والعلل والحظوظ فيتوحد حبه كما توحد محبوبه ويتجرد عن مراده من محبوبه بمراد محبوبه منه بل يبقى مراد محبوبه هو من نفس مراده، وهنا يعقل الاتحاد الصحيح وهو اتحاد المراد فيكون عين مراد المحبوب هو عين مراد الحب وهذا هو غاية الموافقة وكمال العبودية ولا تتجرد المحبة عن العلل والحظوظ التي تفسدها إلا بهذا.