وفي هذه السورة أمر الله المسلمين أن يخصوا الله بالحمد والثناء وبالعبادة، كما جاء في سورة البقرة، إذ أمرهم أن يذكروا الله كذكرهم آباءهم أو أشد ذكرا، إذا قضوا مناسكهم، إذ قال تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} [البقرة: 200]، فرجع الأمر إلى توجيه العبادة والحمد والذكر لله وتحريم عبادة المخلوق والخضوع، فتتوفر الهمم على الأعمال العظيمة.
ألا ترى إلى ما قاله النعمان بن مقرن إلى (يزدجرد) ملك الفرس أيام حرب القادسية في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم أمرنا أن نبتدئ بمن يلينا من الأمم فندعوهم إلى الإنصاف فنحن ندعوكم إلى ديننا وهو دين حسّن الحسن، وقبّح القبيح كله، فإن أبيتم فأمر من الشر أهون من آخر شر منه (الجزية) فإن أبيتم فالمناجزة، وتأمل قول زهرة لرستم قائد جيش الفرس إذ ذاك: إنا لم نأتكم لطلب الدنيا، إنما طلبتنا وهمتنا الآخرة، فقال له رستم: ما دين الإسلام؟ قال: أن تشهد ألّا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، قال: وأي شيء أيضاً؟ قال: إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله، والناس بنو آدم وحواء، إخوة الأب والأم، قال: ما أحسن هذا، ثم دعا رستم قومه فأنفوا من هذا ثم طلبوا من سعد بن أبي وقاص رجلاً آخر يكلمهم، فأرسل ربعي بن عامر، فلما وصل إلى رستم داس بفرسه على النمارق والبسط والحرير والزينة، وامتنع أن ينزع سلاحه وأخذ يمزق الوسائد والبسط، ثم ركز رمحه على البسط، ومما قاله: قد بعثنا الله لنخرج من يشاء من عباده من ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأعجب بكلامه رستم وخلا بقومه وقال لهم: هل رأيتم كلاماً أوضح وأعز من هذا؟ فقالوا: معاذ الله أن نميل إلى دين هذا الكلب!!.
ثم أرسل لهم المغيرة بن شعبة، فجلس مع رستم على سريره فأنزلوه، فقال: ما أرى قوماً أسفه أخلاقاً منكم!! إنا معشر العرب لا يستعبد بعضنا بعضاً، وإني رأيت أن بعضكم أرباب بعض، وأن هذا الأمر لا يستقيم فيكم !!.
ألست ترى أن هذه المحاورات والخطب تتقارب مع ما ذكرناه في فاتحة الكتاب، وأن العبادة والحمد مختصان بالله وحده تعالى، وأنه هو الذي يطلب منه الإعانة والهداية إلى الصراط السوي.
ألا ترى أن الإسلام كان له في الصدر الأول معنى غير الذي يفهمه المسلمون الآن، وأن الأمة الإسلامية اليوم غير أولئك الذين كانوا في القرون الأولى؟ وإلا فكيف نسمع عنهم العدل والمساواة وألا يستعبد بعضهم بعضاً، وأنهم خلفاء الله في أرضه ليعطوا عباده الحرية، فالإسلام إذاً مبنيٌّ على الفهم والعلم والعقل، فأما الآن فإنهم مجرد ظواهر، وأعمالهم لا تصل إلى أعماق القلوب.
فلذلك انحط المسلمون بشريعتهم وقد آن ترجع إلى مجدها القديم وعزها العظيم. |